بنت العشرين

4٬351

منار حجازي


بنت العشرين

كانت تعلم أن لأيامها وأنفاسها السابقة مكان معلوم بداخلها.. فهي كالبحر لا تنضب أبدًا..
وكانت تفتح أدراج الذكريات من أنٍ لآخر.. فتستدعي مع كل صورة أنفاس وألوان وحياة. تعيش بهم بضع ساعات..
وعندما تصعقها صاعقة الزمن وتدرك أنه ماضي قد مات..
تجمع أشلاء الذكريات.. وتفتح خزانتها الجديدة وتأويهم بين ثنايا القلب.. حتى يعاودها الحنين..

ولكن هذه المرة فاجأها الحنين.. لم تستدعِه أو لربما استدعته في غفلة منها..
كانت ذات يوم مشمس جميل.. جالسة على البحر مراقبة اتصاله بالسماء.. تسترق السمع لحديثهما الغامض المثير.. محركا بداخلها الكثير من الأشواق.. ففي اِلتحامهما قصة حب أبدي.. لطالما فكرت في الحديث المستمر بينهما.. ماذا يبوحان لبعضهما كل هذه القرون؟؟
.. ألم يزورهما المَلل والرتابة والروتين..؟
كيف يشع الحب منهما دائمًا في حضن سرمدي جميل..؟؟
وعندما تعالت الموجات راقصة بفرح عارم ملامسة نجوم حبيبها..
خرج ليقف أمامها.. هو بذاته.. ليس خيال ولا رتوش مطموسة من ذكرى..
عشرون عام قد قذفها موج البحر ليبتلعها ويخرجها عروسة بهية.. جميلة منطلقة.. حرة..
غمرها الموج وأخرجهما سويًا.. ناظرة إليه غير مصدقة.. أهذا أنت؟؟.
أأنت القلب الذي كان ذات يوم يملأها؟؟
أأنت اليد التي كانت تنام بين ثنايا يديها.. تدللها.. وتسهر على راحتها؟؟
أأنت الصدر الذي كان يخطفها داخله ويحكم قفصه الحريري عليها..؟
أأنت الحضن الذي كان يحميها ويقتل كل من حاول الوصول اليها؟
أأنت الذي ذات يوم ودعها.. قائلًا سأخذ حبكِ معي يدفئني في ليال شتاء غبية؟
واليوم تعبر كل هذه البحار والأعمار والبلدان لتفاجأها.. حاملًا قلبها بين يديك تطمئنها..
ها أنا قد عدت يا صغيرتي فلا تخافي.. سأمحو عنك كل الليالي الكالحة.. سأطهرك من كل الذنوب السابقة..
سأعيدك بنت العشرين. صبيّة..

باسطًا يديه فتنام بين كفّيه، كطفل اشتاق إلى النوم في حضن أمه بعد ساعات عصيبة..
آخذًا رأسها في صدره.. كعصفور وجد عشه بعد تيه.. وكان أمله في الرجوع منتهيًا..
أغمضت عينيها بشدة وقررت ألا تفتحهما.. فإذا كان حلم فستدعه يركب قطاره إلى نهاية لا تعلمها..
فهي تشعر بسعادة تغمرها بماء كل البحار.. ولمعة كل نجوم السماء.
يكفي أنها قد رجعت بنت العشرين
صبيّة..